محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
" أن " ، وأن لم ينله الجحد فلا يجوز العطف عليه ؛ من الخطأ عندهم أن يقال : لا يعجبني أن يقوم إلا زيد . وقد يحتمل أن تكون " من " نصبا على تأويل قول ابن عباس ، ويكون قوله : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ كلاما تاما ، ثم قيل : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فلا حرج عليه ، فيكون " من " استثناء من الفعل ، وإن لم يكن قبل الاستثناء شيء ظاهر يستثنى منه ، كما قال جل ثناؤه : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ الغاشية : وكقولهم : إني لأكره الخصومة والمراء ، اللهم إلا رجلا يريد الله بذلك . ولم يذكر قبله شيء من الأسماء . و " من " على قول الحسن هذا نصب على أنه مستثنى من معنى الكلام ، لا من الاسم كما ذكرنا قبل في تأويل قول ابن عباس إذا وجه " من " إلى النصب ، وكقول القائل : كان من الأمر كذا وكذا ، اللهم إلا أن فلانا جزاه الله خيرا فعل كذا وكذا . وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ، إلا من ظلم فيخبر بما نيل منه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن محمد بن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : هو الرجل ينزل بالرجل ، فلا يحسن ضيافته ، فيخرج من عنده ، فيقول : أساء ضيافتي ولم يحسن . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ قال : إلا من أثر ما قيل له . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ قال : هو الضيف المحول رحله ، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول . وقال آخرون : عنى بذلك الرجل ينزل بالرجل فلا يقريه ، فينال من الذي لم يقره . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ قال : إلا من ظلم فانتصر يجهر بالسوء . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، مثله . وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن إبراهيم بن أبي بكر ، عن مجاهد . وعن حميد الأعرج ، عن مجاهد : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ . قال : هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن إليه ، فقد رخص الله له أن يقول فيه . حدثني أحمد بن حماد الدولابي ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن إبراهيم بن أبي بكر ، عن مجاهد : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ قال : هو في الضيافة يأتي الرجل القوم فينزل عليهم فلا يضيفونه ، رخص الله له أن يقول فيهم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا المثنى بن الصباح ، عن مجاهد في قوله : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ الآية ، قال : ضاف رجل رجلا ، فلم يؤد إليه حق ضيافته ، فلما خرج أخبر الناس ، فقال : ضفت فلانا فلم يؤد حق ضيافتي ، فذلك جهر بالسوء إِلَّا مَنْ ظُلِمَ حين لم يؤد إليه ضيافته . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : إلا من ظلم فانتصر يجهر بسوء . قال مجاهد : نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضفه ، فنزلت إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ذكر أنه لم يضفه ، لا يزيد على ذلك . وقال آخرون : معنى ذلك : إلا من ظلم فانتصر من ظالمه ، فإن الله قد أذن له في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ يقول : إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحد من الخلق ، ولكن من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم ، فليس عليه جناح . ف " من " على هذه الأقوال التي ذكرناها سوى قول ابن عباس في موضع نصب على انقطاعه من الأول ، والعرب من شأنها أن تنصب ما بعد إلا في الاستثناء المنقطع ؛ فكان معنى الكلام على هذه الأقوال سوى قول ابن عباس : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ، ولكن من ظلم فلا حرج عليه أن يخبر بما نيل منه أو ينتصر ممن ظلمه .